آداب المتعلم في نفسه. عشر أداب وليست محصورة على هذا العدد فقط
طبعًا بعض الآداب مُشتركة، وقد تمر علينا هنا بعض الآداب التي مرَّت من قبل؛ وذلك لاشتراكها بين الاثنين، بين العالم والمتعلم، آداب هذا في نفسه، وآداب هذا في نفسه،
{الأدب الأول: أن يُطَهِّر قلبَه من كلِّ غشٍّ، ودنسٍ، وغِلٍّ، وحسدٍ، وسوء عقيدةٍ، وخُلقٍ}.
فالقلب حين يُطَهَّر ويُنَظَّف من هذه الآفات، وهذه الأدواء، وهذه الأوبئة، يكون وعاءً صالحًا لذلك العلم.
تطهير القلب من هذه الأدواء وهذه الأوبئة هو سبيلٌ لقبول العلم من ناحيةٍ، ولحفظه من ناحيةٍ أخرى بعد قبوله.
والاطلاع على دقائق معانيه، وحقائق غوامضه": أيضًا العلوم لها دقائق، ولها جوانب غامضة،
{الأدب الثاني: حُسن النية في طلب العلم، بأن يقصد به وجه الله تعالى، والعمل به، وإحياء الشَّريعة، والقُرب من الله تعالى يوم القيامة، وهو التَّعرُّض لما أهَّله برضوانه ...}.
وهذا هو رأس الآداب وأسدها: حُسن النية: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» الحديث.
وليتذكر ذلك السؤال الذي يُطرَح عليه يوم القيامة: «وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ»،
قال سفيان الثَّوري: "ما عالجتُ شيئًا أشد عليَّ من نيتي
قال أبو يوسف -رحمه الله
يا قوم، أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلسًا قطُّ أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قطُّ أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح".
الأدب الثالث: أن يُبادر شبابه وأوقات عمره إلى التَّحصيل، ولا يغتر، وإنَّ كلَّ ساعةٍ تمضي من عمره لا بدلَ لها، ولا عوضَ عنها، والتخلص من العلائق الشَّاغلة، والعوائق المانعة عن تمام الطلب، وبذل الاجتهاد، وقوة الجدِّ في التحصيل، فإنَّها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلفُ التَّغرُّب عن الأهل والبعد عن الوطن}
لكن لا يعني ذلك ألا يعمل، ويعتمد في رزقه على الآخرين، لا، ليس هذا هو المطلوب.
قال: "بعضُ السلف استحبَّ التَّغرب عن الأوطان"، لأنَّ الإنسان في وطنه من الطبيعي أنَّه سينشغل بأشياء كثيرةٍ، خاصَّةً حين تكون قيم العلاقات الاجتماعية فيها بعض العادات والتَّقاليد التي تشغل الإنسان، من لقاءاتٍ، واجتماعاتٍ، وذَهابٍ وإياب
الأدب الرابع: أن يقنع من القُوت بما تيسَّر، وإن كان يسيرًا، ومن اللباس بما يستر مثله، وإن كان خَلقًا}
نستطيع أن نُلخص هذا بالقناعة: القناعة في القُوت، والقناعة في اللباس، والقناعة في المركب، والقناعة في كثيرٍ من أمور الدنيا، كما يقولون: القناعة كنزٌ لا يفنى.
ومن اللباس بما يستر مثله، وإن كان خَلقًا"، طبعًا التوسط في الملبس مطلوبٌ، ولكن أيضًا النَّظافة أمرٌ مطلوبٌ، فالاقتصاد في اللباس لا يعني أن يكون اللباس خلقًا غير نظيفٍ، فالنظافة شيءٌ، والمبالغة في اللباس شيءٌ آخر، فحتى لو كان الثوبُ من الأثواب أو الألبسة الرَّخيصة أو غير غالية الثَّمن، لكنَّه يكون نظيفًا، وقد يكون الثوب غالي الثمن، لكن في المقابل قد يكون مُتَّسخًا
يقول: "فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم، ويجمع شمل العلم عن مُفترقات الآمال، فتتفجَّر فيه ينابيع الحكم"، فمع بسط العيش وكثرة المال يتفرَّق الذهن، وينصرف الفكر أحيانًا إلى أمورٍ أخرى، مثل: تنمية المال، والتجارة، والبيع والشِّراء، وتصريف الحسابات، إلى غير ذلك، فينصرف شيءٌ من الجهد ومن الذهن في ذلك، لكن حين يكون القلبُ خاليًا من هذه الأفكار، وخاليًا من هذا التَّشتت، فكما قال: "تتفجر فيه ينابيع الحِكَم".
قال أبو حنيفة: "يُستعان على الفقه بجمع الهمِّ، ويُستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد"
يُستعان على الفقه بجمع الهمِّ"، يعني أنَّ الهم يكون همًّا واحدًا غير مُتفرِّقٍ؛ لأنَّ مَن كانت الدنيا همه فرَّق الله عليه شملَه، يعني تكون همومًا مُشتتةً في الدنيا، ولكن مَن كانت الآخرةُ همه جمع الله شملَه.
ويستعان على حذف العلائق"، يعني حذف الأشياء أو التَّخلص من الأشياء المُعِيقة لطلب العلم، "بأخذ اليسير عند الحاجة"؛ لأنَّه إذا اكتفى بأخذ اليسير سلم من العوائق بعد ذلك
قال الخطيب: "ويُستحب للطالب أن يكون عزبًا ما أمكنه"، هذا رأيه، ولكن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يُوجِّه صحابته وشباب الصحابة للزواج: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» فهذا توجيهٌ وأمرٌ من الرسول -عليه الصلاة والسلام- بأن يتزوج الإنسان، لكن الزواج ليس واجبًا، يعني مَن رأى أنَّ عنده قدرةً وإمكانيةً على أن يصبر عن الزواج حتى يُحصِّل العلم، ويكون عفيفَ النفس، وليس عليه خطر، فهذا لا بأس به، لكن من السُّنة له أن يتزوَّج اتِّباعًا لهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
الأدب الخامس: "أن يُقَسِّم أوقات ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره، فإنَّ بقية العمر لا قيمةَ له"، يعني غالي الثمن، ما له قيمة مقابلة، فبقية العمر قيمته غالية.
"وأجود الأوقات للحفظ الأسحار".
يقول: "أجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتاب وسط النهار، وللمُطالعة والمُذاكرة الليل".