الأدب الثالث : أن يتخلَّق بالزهد في الدنيا والتقلل منها بقدر الإمكان، الذي لا يضر بنفسه أو بعياله...
والتخلق بالزهد هو أدبٌ مطلوبٌ من المؤمن بشكل عام، ولكنه مطلوبٌ من حامل العلم بشكل خاص
قال يحيى بن معاذ: "لو كانت الدنيا تِبْرًا يفنى، والآخرة خَزَفًا يبقى، لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التِّبْر الفاني، فكيف والدنيا خزفٌ فانٍ، والآخرة تِبْرٌ باقٍ؟!".
تعرفون التِّبْر ما هو؟
التِّبْر: هو الذهب، والخَزَف معروف.
الأدب الرابع.
أن يُنَزِّه علمَه عن جعله سُلَّمًا يتوصَّل به إلى الأغراض الدنيوية: من جاهٍ، أو مالٍ، أو سمعةٍ، أو شهرةٍ، أو خدمةٍ، أو تقدُّمٍ على أقرانه، وكذلك يُنَزِّهه عن الطمع، عن طلبته بمالٍ، أو خدمةٍ، أو غيرهما، بسبب اشتغالهم عليه، وترددهم إليه، وقال سفيان بن عيينة: "كنتُ قد أوتيتُ فهمَ القرآن، فلمَّا قبلتُ السُّرَّة من أبي جعفر سُلبتُه، فنسأل الله تعالى المسامحة"}.
الرابع: أن يُنَزِّه علمَه من جعله سُلَّمًا، وهذا مما يُعارض إخلاصَ النية في العلم.
طبعًا صاحب العلم يشتهر بعلمه، فتكون له شهرة، وسمعة، لكن فرقٌ بين مَن يطلب الشهرة بعلمه، ومَن يُؤتَى الشُّهرة من غير طلبٍ، فرقٌ بين هذا وهذا: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلٍّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
فالمحذور هنا هو جعل العلم سُلَّمًا إلى هذه الأغراض من طلب الجاه مثلًا، وسبق أن مرَّ علينا حديث: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ -سبحانه وتعالى- لَا يُرِيدُ بِهِ إِلَّا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ»، يعني لم يجد رائحة الجنة.
وقد مرَّ معنا في الحديث الشريف: أنَّ مَن كانت هذه نيته -أن يتعلم العلم من أجل السمعة- فهو من الثلاثة الذين تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة أول ما تُسَعَّر: «رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَيُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُعَرِّفُهُ اللهُ -سبحانه وتعالى- نِعَمَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: مَاذَا عَمِلْتَ بِهَا؟ فَيَقُولُ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ فِيكَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ، فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ، إِنَّمَا تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: فُلَانٌ عَالِمٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ فَيُرْمَى فِي النَّارِ».
أو خدمةٍ" يعني يريد من الناس أن يخدموه لكونه عالمًا، فهل -يا أحبابي- من الطبيعي أنَّ يخدم الطلابُ أستاذهم؟ شيء طبيعي، وهذا من الاحترام والتقدير، وليس في ذلك حرجٌ، لا على الأستاذ، ولا على الطالب، ولكن المحذور هنا أن يتطلع الشيخُ أو يتطلع الأستاذُ إلى خدمته بسبب علمه، بسبب ما لديه من العلم، في أمورٍ لا يحتاج فيها إلى خدمةٍ.
الأدب الخامس :
أن يتنَزَّه عن دنيء المكاسب، وعن مكروهها عادةً وشرعًا، كالحجامة، والدِّباغة، والصَّرف، والصياغة، وكذلك يتجنَّب مواضع التُّهم وإن بعدت"}.
ما معنى "وإن بعدت" يعني وإن كان احتمال التهمة بعيدًا،
"فإن اتفق"، طبعًا هذه تتمة للفقرة السابقة التي هي "لا يضع نفسه مواضع التهم وإن بعدت" يقول: "فإن اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها، أخبر من شاهده بحلمه، وبعذره، ومقصوده كي لا يلتبس بها.
إذن يقول.. كما حذر من ذلك العالم لا يضع نفسه في موضع التهم والريبة، ولكن إن صادف وقوع شيء من ذلك، فعليه أن يخبر من أجل ألا يأثم الناس بسببه، يأثم من شاهده بسببه، ومن أجل ألا ينفر منه، فلا ينتفع بعلمه،
الأدب السادس؛
"أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام، كإقامة الصلاة في المساجد بالجماعة، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى، بسبب ذلك ذاكرًا قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17] وما كان سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأنبياء من الصبر على الأذى، وما كانوا يتحملونه في الله -تعالى- حتى كانت لهم ..."}.
قال -عليه الصلاة والسلام-: «والذي نفسي بيده، لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟» ماذا قال -عليه الصلاة والسلام-؟ قال: «أفشوا السلام بينكم»
وترى فيه فرق بين كلمة "أفشوا" أو مثلاً "ألقوا السلام" أو "سلموا"، أفشوا تعني: انتشاره، وكثرته، وشيوعه بين الناس، إفشاء السلام نشره بين الناس، ولذلك جدير بحامل العلم أن يكون هذا على باله، وألا يغفل عنه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق